ابن الوزان الزياتي

208

وصف افريقيا

رجال الحاشية الملكية . وكان المنصور يسكن هذه المدينة من بداية شهر نيسان ( أبريل ) إلى شهر أيلول ( سبتمبر ) . ولما كانت المدينة قائمة في موقع يفتقر للماء الجيد ، لأن ماء البحر يختلط عندها بماء النهر ، ولما كانت موجة المد تصعد لمسافة اثني عشر ميلا في النهر ، ونظرا لأن مياه الآبار مالحة ، فقد جرّ المنصور إليها ماء عين واقعة على مسافة اثني عشر ميلا من المدينة بواسطة قناة بديعة البناء ، قائمة فوق حنايا تماثل تلك التي ترى في كل إيطاليا ، لا سيما بجوار روما . وتنقسم هذه القناة إلى عدة فروع تقود إحداها الماء إلى المساجد والمعاهد والقصور الملكية والأحواض العامة التي أقيمت في كل الأنحاء « 35 » . وبعد وفاة المنصور أخذت هذه المدينة في التدهور حتى إنه لم يبق منها سوى العشر . فقد تقطعت القناة وتخربت أثناء حروب المرينيين ضد أسرة المنصور . والرباط الآن في أسوأ حالة عرفتها وأعتقد أنه لا يمكن العثور فيها ، إلا بصعوبة ، على أربعمائة بيت مسكون قرب القلعة ، مع بعض الدكاكين الصغيرة . وفضلا عن ذلك فهي مهددة باحتلال البرتغاليين لها . والحقيقة أن كل ملوك البرتغال السابقين خططوا المشاريع لاحتلالها على اعتبار أنهم إذا ما استولوا على الرباط فإنهم سيتمكنون بسهولة من احتلال

--> ( 35 ) لقد كانت كلمة الرباط تعني عند العرب المسلمين الثغر المتقدم لإقامة الفرسان ، وحيث كانت تربط الخيول فيه ، فالكلمة مأخوذة من ربط الخيل ومن رابط بمعنى أقام بانتظار الجهاد . وهكذا تجهزت كل الجبهة الأرضية والبحرية لجيوش الفتح الإسلامي بهذه المراكز العسكرية التي تمنح منعة للمجاهدين في سبيل الله وتدعم إيمانهم . وقد أنشىء رباط الضفة اليسرى لمصب نهر أبو الرقراق ، أي رباط سلا ، كرأس جسر ضد المارقين من قبيلة برغواطة . وفي أواسط القرن التاسع كان يتواجد أحيانا في هذه الرباطات كما في الرباطات المجاورة حوالي مائة ألف من المرابطين مجتمعين ، وظل اسم بلد المجاهدين معروفا بجوار البحر ، جنوبي الرباط . ويعود إنشاء مدينة في هذه المنطقة ، في الغالب ، للخليفة عبد المؤمن الذي كان عليه ان يقمع في سنة 1149 م آخر تمرد قامت به برغواطة ، الذين عجز المرابطون عن إبادتهم جميعا في عامي 1059 - 1060 م . وقد بنى المدينة في مكان قصر كان يخص بني كنانة ، وسماه المهدية ، تخليدا لذكرى المهدي بن تومرت . ولكن الاستعمال الدارج عمل على تفوق اسم رباط الفتح ، وهذا بلا شك بسبب نجاح تلك الحملة ضد برغواطة . وفي سنة 1150 م عمل عبد المؤمن على جر مياه عين غابولة ، وهو نبع يقع على مسافة 20 كم نحو الجنوب . وبعد ثلاثين عاما عمل حفيده أبو يوسف يعقوب المنصور الذي حقق بتاريخ 19 تموز ( يونيو ) 1195 م الظفر المؤزر في معركة الأركوس في الأندلس ، أقول عمل على تنفيذ مشروع التنظيم الذي يلخصه هنا المؤلف : أي جعل من الرباط قاعدة لتمركز الجيوش على أن يمتد تمركزها هذا على البلاد الهامة الواقعة على ساحل المحيط من الرباط حتى القصر الصغير شمالا . وقد شيد في الرباط ، على الخصوص ، حصن الفرح الذي لا يزال بابه البديع ماثلا . والمسمى حاليا باب الأوداية ، وكذلك الجامع الكبير الذي كان برج حسان منارته . كما أعاد بناء سور شلا ( سلا ) حيث أقام فيها مدينة ملكية ودينية وعسكرية ، لأن الرباط كانت مدينة تجارية وعمالية . وقد سمحت له الغنائم المذهلة التي تحققت من وراء حملته في أسبانيا في فترة 1195 إلى 1198 م بتمويل هذه الإنجازات وكثير غيرها في امبراطوريته . ويعتبر عام 1197 تاريخ تأسيس الرباط ولكن تحقيق هذه المشاريع استدعى بالتأكيد زمنا طويلا نوعا ما .